محمد هادي معرفة

349

التمهيد في علوم القرآن

وقوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا « 1 » قال الزمخشري : يجوز أن يكون تمثيلا ، لاستظهاره به ووثوقه بحمايته ، بامتساك المتدلّى من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه . فقد شبّهت عرى الدين بوشائج وثيقة تربط الأمّة بعضها ببعض ، فكأنّ الشريعة المقدّسة حبل ممدود على طرف مهواة سحيقة ، والأمّة المتماسكة مستوثقون بعراها استيثاقا يأمن جانبهم من أخطار السقوط وينجيهم من مهاوي الضلال . وقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ « 2 » شبّه الهدى بالنور ، والضلال بالظلمات ، والاهتداء بحالة الخروج من الظلمات إلى النور . وقوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ « 3 » شبّه الأولاد بأفراخ الطير تستذلّ لدى والديها تستطعمهما وتسترحمهما ، ودليلا على ذلك تبسط أجنحتها على الأرض خفضا وذلّا ، وهي من المبالغة في التشبيه وتصوير حالة الذلّ في موضع ينبغي الذلّ فيه بمكان . وقوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ « 4 » لو اعتبرنا التشبيه في جملة « فاصدع » فقد شبّهت شوكة المشركين وهيبتهم بصرح زجاجي ، وشبّهت الدعوة بمصادمة هذا الصرح ، وشبّه التأثير البليغ بالصدع ، وهو الأثر البيّن في الزجاجة المصدومة . وهذا من تشبيه عدّة أشياء بأشياء مع إفاضة الحركة والفعل والانفعال .

--> ( 1 ) آل عمران : 103 . ( 2 ) البقرة : 257 . ( 3 ) الإسراء : 24 . ( 4 ) الحجر : 94 .